الأخبار


مسيرة الإمارات عبر الأقمار الصناعية «أين الثرى من الثريا»

01 يونيو 2019
مسيرة الإمارات عبر الأقمار الصناعية «أين الثرى من الثريا»
بقلم جمال سيف الجروان
 
اختم شهر رمضان المبارك بمقالة استعدتُ فيها سنواتِ مضت عزيزة علي شخصياً، واطلق عليها خاتمة سلسلة مقالات «رمضانيات».
 
فمن الرؤية كانت البداية، «كانت أحلامي كثيرة كنت أحلم بأرضنا تواكب حضارة العالم الحديث ولم يكن بين يدى ما يحقق الأحلام، ولكنني كنت واثقاً أن الأحلام ستتحقق في يوماً من الأيام» هكذا قالها مؤسس دولة الإمارات العربية المتحدة، المغفورله بإذن الله تعالى الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه.
 
فقد أنطلقت دولتنا إلى آفاق التقدم والحضارة والمدنية و التطور و التكنولوحيا والتسامح والتعايش بكل ثقة واقتدار تلك الرؤية الثاقبة التى الهمت العقول وبأحلام قادتنا الذين لبو نداء الاتحاد، واستشرفوا المستقبل بكل ما يحمله من آمال وطموحات، وجعلوا التنمية المستدامة في أولويات سياستها فتحولت الكلمات إلى واقعاً نلمسه بأيدينا ونعيشه في يومنا لتظل راية إماراتنا الحبيبة في الصفوف الأولى مع أرقى دول العالم شامخةً في الآعالي.
 
اثنان وعشرون عاماً مرت وتحديداً في يناير 1997 حين تم تأسيس شركة «الثريا» للاتصالات، التي اتخذت من إمارة أبوظبي مقراً لها، كأول شركة أقمار صناعية لخدمات الاتصالات المتنقلة  "إم إس إس"، وحلول الاتصالات المبتكرة للعديد من القطاعات، لتجوب الآفاق من قلب الإمارات إلى العالم. من كان يستوعب بأن دولة الإمارات الواقعة على ضفاف بحر الخليج العربي تغامر مغامرة كبيرة وتقتحم عالم الأقمار الصناعية الذي يتسم بقدرِ عالِ من التنافسية و تختار منه الأصعب و الأجدد و هو عالم الأقمار الصناعية لخدمات الاتصالات المتنقلة "الإم أس أس" وتطلق مشروع أقمار صناعية متكامل بقيمة مليار دولار لتنافس العالم المتطور و تنطلق من حيث أنتهى الآخرون.
 
نعم كانت مغامرة تأسيس شركة «الثريا» عام 1997 من قبل تحالف استراتيجي مصحوباً بالشهامة العربية وسمو النفس وشرف الإنتماء شمل عدداً من شركات الاتصالات، تقودها مؤسسة الإمارات للاتصالات «اتصالات»، ومؤسسات إستثمارية، قائماً على أساس تكاملي اقتصادي عربي هدفه تحقيق المزيد من التعاون التقني بين الدول العربية.
 
فقد أستعرضُ كم مر من الوقت على هذه المؤسسة وهي تمضي في طريقها، واقفة على أكتاف ما أنتجته عقول أبناء الوطن المخلصين. فقد أرست تجربة تميزت بعطاءات مشهودة وإنجازات كبيرة آتت تتويجاً لطموحات وتطلعات القيادة الرشيدة وأهدافها السامية في تعزيز المعرفة والتطور التقني لأبناء الوطن وتسخيرها في تحقيق رقي وتطور الدولة وتوفير سبل الارتقاء بكافة القطاعات الحيوية والتي من أهمها تحقيق الاقتصاد المستدام المبني على التنويع والمعرفة والابتكار وبناء الموارد البشرية المتطورة.
 
وكانت «اتصالات» ولا تزال اكثر وأكبر من مجرد شركة وطنية. فهى مركزاً ومورداً لتأهيل المهندسين والمسوقيين والإداريين والكادر البشري الذي يبني الدولة في شتى القطاعات، من أبنائنا المواطنين وإخواننا من الدول العربية الشقيقة، بثقافة مهنية إتسمت على مدى العقود الأربعة بالحرفية والمصداقية والشفافية، مما إنعكس إيجاباً على سمعتها الإقليمية والدولية، خاصة بعد التوسع الدولي الذي شهدته مجموعة الإمارات للاتصالات - اتصالات في مطلع الألفية الجديدة.
 
بدأت «الثريا» كمزود وحيد في العالم لخدمة الاتصالات عبر الأقمار الصناعية (الاتصالات الفضائية) عبر نظام الثريا الفضائي الذي يضم قمرين صناعيين، وبنظام الهاتف المحمول الذي يجمع النظام الفضائي ونظام "جي إس إم" GSM  وهي تقنية تتميز بها الهواتف التابعة لها. وتوفر المجموعة المتنوعة لأجهزة هواتف الثريا وأجهزة النطاق الترددي العريض ذات التفوق التقني والموثوقية العالية، سهولة كبيرة في الاستخدام وقيمة وجودة وكفاءة كبيرة للمستخدمين.
 
وللعلم، خاصة للذين لم يعملوا في حقل الإتصالات، فإن تأسيس عمل تجاري مؤسسي عبارة عن شبكة إتصالات فضائية للهاتف المحمول تبلغ تغطيتها الجغرافية أكثر من 140 بلد في اربع قارات تمثل ثلثي العالم، هو قطعاً كان من المستحيلات لصعوبته لانه لا يشبه تشغيل اَي شبكة موبايل أرضية. ففي حين أن الثانية هي امتداد لتطوير شبكات ارضية يساهم فيها جميع الأطراف في العالم. فإن الأول عمل تجاري و فني مُعقد ودقيق وحساس من النواحي التجارية والإقتصادية والعملية والتنظيمية والسيادية و الفنيه قام على يد مجموعه معينه من المساهمين الذين امنوا بهذا المشروع و ببعده التجاري و الاستراتيجي، مما تطلب وجود فريق متفاني وناضج، متعدد المواهب ومنفتح على نماذج عمل مرنة وممارسات دولية و ابداع تكنولوجي و فني.
 
ويعتبر مشروع «الثريا» للاتصالات الفضائية اللبنة الأولى في مسيرة دولة الإمارات العربية المتحدة إلى اكتشاف الفضاء. مشروع استراتيجي عالمي أخذت فيه مؤسسة الاتصالات الإماراتية دور الريادة والقيادة في تصميم وإطلاق أحدث قمرين صناعيين  متخصصين في مجال الاتصالات الفضائية للأجهزة المتحركة مقدمة حلول تواصل في البر والبحر والجو. نجاح المنظومة حينذاك كان مرهون على تواجد فريق عمل مهني وقيادة حريصة على تحقيق النجاح في تنفيذ أفضل منظومة أقمار صناعية تجارية على الإطلاق و نظام تحكم ارضي متطور وأجهزة اتصال مبتكرة. وقعت اتصالات عقد بقيمة مليار دولار مع شركة هيوز سبيس أند كوميونيكيشن (لاحقا أصبحت شركة بوينج) لتصنيع وإطلاق قمرين صناعيين هما الأحدث عالميا و تطوير و تدشين محطة تحكم و تشغيل ارضية والتي تم بنائها في إمارة الشارقة وتصنيع ربع مليون هاتف أقمار صناعية يدوي نقال مبتكر و مزدوج (أرضي و فضائي).
 
فمن أبرز الدروس المستفادة من مشروع الثريا:
1. المشاريع العملاقة تحتاج الكادر الأفضل والأكفأ.
2. لا بد من اخذ زمام المبادرة و لكن يحتاج هذا الى الإيمان بالأفكار و الرؤى و الأهداف مهما كان الهدف شبه مستحيلا. فلا مستحيل مع العزم
3. الانظباط المؤسسي في الحصول على أفضل الشروط في العقود الفنية والبنكية والتأمين.
4. يجب أن يكون لديك خطط جاهزة وبدائل للتعامل مع الأزمات.
5. الموزعون هم شركائك بل أذرعك التي تعمل بها، عليك أن تهتم بهم جيدا.
6. الإلمام بالقوانين الداخلية والخارجية والاستعانة ببيوت الخبرة من الطراز الرفيع، لا تترك الامور إلى الاحتمالات.
7. ضع الحوكمة المؤسسية في نصب عينك، لأنك ستتعامل مع أصحاب أفكار وتجارب مختلفة.
 
اختم مقالتي بالقول بأنه كان لمشروع  «الثريا» منافع اقتصادية وفنية وتنموية وإستراتيجية على مستوى الوطن والعالم العربي. وهو الأمر الذي يستفاد منه عادة من جراء هذه المشاريع العملاقة والتي يمكن أن نطلق عليها بـ «الاستثمارات الموثرة»، والتي تنادي بها الموسسات الدولية في حاضرنا ومدى حاجة الوطن العربي إلى الاستثمارات الموثرة للنهوض بأوطاننا.
 
واستذكر مقولة مؤسس دولتنا الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه حينما قال «الحياة عمل من البداية إلى النهاية ... عمل وكفاح» رحم الله الشيخ زايد وبارك الله في أبناءه وشيوخ الإمارات جميعاً وأبناء هذا الوطن المعطاء وشعوب الأمة العربية جمعاء. وكل رمضان وأنتم بخير.
 
جمال سيف الجروان الشامسي
الأمين العام لمجلس الإمارات للمستثمرين بالخارج
27 من رمضان 1440
01 يوليو 2019